العشيرة سيدة مصيرها – أيمن عبابنة

بقلم : أيمن عبابنة

كلام كثير عن العشائر ينطلق بين التطرف والاستهزاء من مصادر عدة دعاني إلى اجتهاد وجهة نظر تحتاج إلى مزيد نظر ومعالجة وهدوء .

أزمة الشرق لمن فهِم الغرب.

العشيرة طبيعة بشرية أو رابط بيولوجي اجتماعي تمتد في مجتمعات وتختفي في أخرى إلا أن الطبيعة شيء والتوظيف شيء آخر.

الإشكال الذي يواجه المثقف الذي درس الغرب وأراد السعي إلى مجتمع ديمقراطي في الشرق هو اصطدامهُ بمُكوّن لا شبيه له في أوروبا فاعتبره عائقا في وجه الخيار الديمقراطي لدرجة دعوة البعض إلى تفكيك العشيرة وهذا لا يعدو عن وهم محو الحكمة الإلهية المقررة في الآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا)*.  وأني أتسأل هنا هل بالضرورة أن يتم التحول الديمقراطي لدينا بالوسائل نفسها في الغرب ؟ فحاضرنا ليس ماضي أوروبا أبدا  . وفي الأردن توجد خصوصية وحساسية لهذا الطرح لارتباط العشيرة بالهوية الوطنية وارتباط بعض دعاته بتمرير فكرة الوعاء السكاني للهجرات القسرية السابقة واللاحقة .

وغالبا ما تطرح كلمة عشائريّة هنا المشتقة عنوةً من العشيرة لإثارة معنى سلبي مع أن الكلمة المناسبة لهذا المعنى هي العصبيّة التي توجد في تكوينات عشائرية أو غير عشائرية كأبناء المنطقة الواحدة أو حتى الحزب الواحد . وفي النظر العلمي لا يجب أن يكون  اللوم موجهاً إلى الطبيعة أو توظيفها بشكل عام بل إلى حالة التوظيف السلبي لها فقط مثل توظيف العشيرة كتبرير للمحسوبية والواسطة والانعزال. ولك أن تنظر إلى الجانب الآخر لتُبطل النظرة السلبية الشمولية للعشيرة بدءاً من الدعوة والفتوحات عصر الإسلام حيث يقول تعالى مخاطباً نبيهُ العربي ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) ** .  كونها قوة اجتماعية قادرة على رعاية الدعوة في بدايتها ثم دخول القبائل بعد الدولة الوليدة في توظيف عسكري ثمرتُه الفتوحات الإسلامية إلى الأمثلة الحديثة  مثل التوظيف الجهادي للعشائر بعد انهيار الدولة في العراق ودورها في صيانة المجتمع إضافة إلى الدور الاجتماعي التقليدي للعشيرة بالنفقة والتكافل .

العصبيّة  : (دعوة الإنسان إلى نصرة عُصبته أياً كانت )

العشيرة كيان مدني

الدولة السلطوية أو المحكومة بمعادلات خارجية تعرقل مشروعها الوطني تتجه أحيانا لتوظيف العشيرة ومكونات المجتمع الأخرى بشكل سلبي بناء على قاعدة ( الولاء مقابل الغنيمة في الدولة ) دون عناء النظر في نشر الثقافة المدنية (علاقة الحق والواجب في الدولة) بوصفها مشروعا وطنيا كالتعليم القومي . وفرق كبير هنا بين التعليم والثقافة فقد تجد نسبة تعليم عالية إلا أن الثقافة متدنية . إذ تشكّل الثقافة في العشيرة لا نسبة التعليم فحسب الضمانة للاختيار والتمثيل وفق مقتضيات الصالح العام وضمانة لحرية التعبير وجعل العشيرة المحلية ميدانا للانشغالات الوطنية بل وسببا لتبرؤها من الفاسدين من أبناءها .

والدولة التي تحمل مشروعا مدنيا وإرادة سياسية مستقلة كفاية لتنفيذه تعمل على إعادة تعريف العشيرة ككيان مدني أهلي وليس ككرة مُصمتة تتدحرج في اتجاه واحد . كيان مستقل عنها لكنه يحتاج إليها أيضا ليكون مستقلاً عنها وعن قوى النفوذ التقليدية فيها من مشايخ المال والمنصب . وهذا الكيان تسوده ثقافة مدنية ويكون التمثيل والصعود  فيه خاضع للإرادة الحرة لإفراده بمعايير غير رسمية (لا تضعها السلطة الحاكمة أو تدعمها ) . ونلاحظ هنا تجربة الانتخابات الداخلية في بعض عشائر الأردن كإجراء يمكن البناء عليه مستقبلاً  .

وهنا يظهر التأثير المتبادل بين عقل الدولة المدني وجسدها العشائري. الدولة ضمن مشروعها الوطني تعيد فهم العشيرة ككيان مدني – لا ثقل لكرسي الحكم فقط – وتدعم نشر الثقافة المدنية فيه والعشيرة تعيد تشكيل الدولة المدنية بإرادة أفرادها الحرة .

 

المشيخة والتحول السلبي

بمقارنة المشيخة حديثا بمفهوم السؤدد(من سودته أي جعلته سيدا) عند العرب قديما نجد أن العرب في قبائلهم كانوا أكثر استقلالا عن أي عوامل خارجية ويميزون معايير موضوعية ناشئة عن قيم تسوّد أي شخص في قومه حتى المال لا يشكل مصدر سيادة إلا إذا بُذل. وكثيرا ما تصادف في كتب التراث جملة (ساد قومه بِ …) متبوعة بقيمة كالحلم والكرم والحكمة والمروءة .

( وسادة القوم أشرافهم ورؤساؤهم، وذكر أن السيد الذي فاق غيره بالعقل والمال والدفع والنفع، المعطي ماله في حقوقه المعين بنفسه. وذكر أن السيد: الحليم لا يغلبه غضبه. والسيادة منزلة ودرجة، ولا تأتي أحدًا إلا باعتراف قومه له بسيادته عليهم وبتنصيبهم له سيّدًا عليهم. وكانوا إذا سوّدوا شخصًا عصبوه، والتعصيب التسويد، ولهذا كانوا يسمّون السيّد المطاع معصبًا. وذكر أن العصابة العمامة. وكانت عمائم سادة العرب هي العمائم الحمر.)***

 

في حين تنقل لنا الموروثات العربية القديمة أن عامل الانتقاء والتمثيل والتفرد داخل العشيرة كان داخليا لا خارجيا مرتبطا بقيم لا أشياء نرى التحول السلبي الذي طرأ على اختيار المشيخات . إذ أن الدولة بوصفها أداة تنفيذية لطبقة ما أو بوصفها سلطة محكومة بمعادلات خارجية تقرر مع من تتعامل من كفاءات ونخب ومشايخ  من خلال أدوات صناعة الشيوخ لديها المتمثلة في مستشارية  العشائر والترقيات العسكرية والنيابة والأعيان (النواب وان كانوا منتخبين فكثير منهم دعمته الدولة ) بشكل يحد من الإرادة الحرة للإفراد داخل القبيلة في اختيار من يمثلهم أو من يسود عليهم بمعيار القيم . وهذه المشيخات المُصنّعة شكلت عائلات نفوذ تعمل كوسيلة ضبط اجتماعي تخدم أسلوب الإدارة الحاكم حال انتقاده من أي طرف. ولعل طغيان مجتمع السوق والحاجة إلى الدولة سهّل تقبل الناس لهذا التحول السلبي للمشيخة المختارة بمعيار الولاء لا معيار القيمة .

إلا أن الدولة المستقلة الحاملة للمشروع المدني الوطني قد  يكون الضبط الاجتماعي فيها مفيدا خاصة إذا كانت الثقافة المدنية ما زالت في بداية تجذُّرِها فتجد ضعف العقل الوطني أمام اغترار كل عشيرة بفحولتها فيضطر عقل الدولة المدني لتبني شخصيات (مشيخات) وطنية رائدة ومثقفة حماية للجميع من الاستبداد الأهلي المعنون بِ :

وما أنا إلا من غزية إن غوت            غويت وان ترشد غزية أرشدِ .

 

حلف الفضول الوطني

وعلى مستوى المبادرة الوطنية تبدو الحاجة ملحة لإسقاط تنويري على موروث عربي في الجاهلية .

يروي ابن هشام بسنده عن ابن إسحاق قال: “تداعت قبائل من قريش إلى حلف فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جُدعان لشرفه وسنه… فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا في مكة مظلوماً من أهلها وغيرهم ممّن دخلها من سائر الناس إلاّ قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمّت قريش ذلك الحلف حلف الفضول”(1).

 

ويقول ابن كثير -رحمه الله- بعد إيراده ذلك الحلف: “وكان حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب”(2).

 

روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جُدعان حلفاً ما أحب لي به حمر النعم ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت”(3).

كم نحتاج إلى حلف فضول وطني اليوم كمحدد للسلوك الاجتماعي السياسي فيه ثابت المرؤة والأخلاق وضمان الكرامة الشخصية للإفراد وحرية التعبير وعدم تحصين الفاسدين ومعالجة قضايا اجتماعية كالمهور والفقر والقتل ولعل الائتلافات العشائرية الإصلاحية الناشئة تكون نواةً لحلف فضول أردني قادم.

وإذا كان الرسول الهاشمي قد اشترك في حلف الفضول وحثّ على إجابة كل مثيل له في أي عصر فالسليل الهاشمي أولى إلى إجابة مثيله من مبادرات وطنية نأمل اختمارها في صفوف إصلاحيي العشائر لكي تجدد العهد وتنقذ البلد .

خاتمة

تكمن الحاجة في إعادة تعريف العشيرة ككيان مدني أو هيئة وسيطة بين الدولة والفرد يكون عامل التفرد والمشيخة فيها مرتبط بالإرادة الحرة للفرد المثقف بمعايير غير رسمية ولا ينشأ الفرد القبلي المثقف إلا بدولة تتبنى مشروعا ديمقراطيا تستثير الروح المستقلة المطمورة (embedded) داخل الفرد والموجودة حتى في التراث العربي الجاهلي.

ضمن معطيات الأردن في الداخل والخارج  تقف العشيرة سيدة مصيرها في تقرير شكل الأردن القادم والرهان على وعي الشباب ومباركة الشيّاب .

………………………………………………………………………………………………………………………

* الحجرات 13

** الشعراء 220

*** المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام للدكتور جواد علي جزء 7

(1) سيرة ابن هشام: (1/122-123).

 (2) السيرة النبوية (1/259).

(3) انظر سيرة ابن هشام (1/123-124).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s