“الاستحمار السياسي” ا.د سلطان المعاني

ا.د سلطان المعاني

الاستحمار!

مقالة غير منشورة
الاستحمار مفهوم حديث لم يذكره ابن منظور في معجم لسان العرب، ولكن على وزن استفعل يستفعل استفعالا صيغ في القرن الماضي مفهوم الاستحمار نسبة إلى الحمار ليفيد معنيين: التظاهر بالغباء أو التصرف بغباء، وقد حفظت لنا كتب التاريخ ومعاجم اللغة أشباه هذا الاشتقاق، في قولهم: استنوق الرجل نسبة إلى الناقة، فقد نسب الشاعر الجاهلي المتلمس صفات للجمل هي للناقة أصلا فأخذ عليه ابن أخته الشاعر طرفة بن العبد ذلك، فقال قولته المشهورة: استنوق الرجل. وبين طرفة ابن العبد صاحب الاستنواق وبين المفكر الإيراني علي شريعتي – صاحب مفهوم الاستحمار- الذي توفي عام 1977م قرون تناهز الخمسة عشر قرنا وجاهلية وإسلام، ووقوف عند مبدأ احترام اللغة عند الأول واحترام الإنسان عند الثاني!
لست أحسبكم تنتظرون مني في هذا المقام درسا في اللغة أو التاريخ، ولست أحسبني أضع عنوانا ساخرا لمقال ساخر، فلست ممن يجيدون الكتابة في هذا النوع الوعر من الفنون، غير أنها الظروف والأحوال والسلوكيات التي تجري حولنا، سواء في محيطنا الضيق، البيت ومكان العمل والحي، أو في داخل الوطن أو في المحيط العربي وحتى في العالم من حولنا.
بعد وفاة الدكتور علي شريعتي بسبعة أعوام صدر له كتاب “النباهة والاستحمار”، وجاءت عتبة الكتاب عنوانا وغلافا واشية بالمعنى فعلى حدبة الطريق ناقة مشدود رسنها إلى سيارة تجرها. والكتاب أساسا محاضرة عامة القيت في حسينية من حسينيات طهران، فمن البداهة أن تكون بالفارسية، ترجمت إلى العربية تحت عنوان “البداهة والاستحمار”. وقد استهل شريعتي محاضرته بالنتيجة التي رغب في الوصول إليها وهي أنه “يجب أن نكون نبهين”، محذرا من وهم الغنى العلمي والاكتفاء الكاذب فالأمر لا يعدو غشا يمارسه المثقفون والمتنورون علينا وعلى أنفسهم، ويمضي الدكتور شريعتي قائلا: “قد لا يفكر الاستاذ، أو الفيزيائي، أو الفيلسوف، أو الأديب أو المؤرخ، إنه يمكن أن يكون لا شيء من الناحية الفكرية، وأنه في مستوى أقل من العوام شعورا، وحتى الأمي الذي لا يحسن الخط مثلا، قد يكون أرقى منزلة في الدراية الشخصية وفي معرفة الزمان والمجتمع”! إنها الطامة الكبرى في بقاء المتعلم جاهلا، والمثقف فاقدا الشعور. إن فقدان الفهم والنباهة وعدم الشعور بالمسؤولية تجاه حركة التاريخ التي تأخذنا من زماننا وتجتثنا من مجتمعاتنا هو الاستحمار بحتمية لغة الاضداد! إن كلام شريعتي صادم غير أنه واقعي صحيح فالعلم عندنا في معركة مع الفكر.
إلى هنا أقف عن الكلام فيما جاء في كتاب شريعتي، وما السوق هنا إلا لتأصيل المفهوم ورده إلى أصحابه.
إن ما يجري في سوريا الساعة هو دافعي وراء اختيار عنوان صادم طريف فالنظام الشمولي وليد طبيعي للاستحمار القائم على الغباء والاستغباء والاستبداد، وهي سمة مشاع لا تقف عند النظام الأسدي فالأمر نتاج طبيعي للحال العربي من الماء إلى الماء ومن الرمضاء إلى الرمضاء، ومن رياض الأطفال إلى الصالونات المكندشة التي نمارس فيها ما يضادد النباهة! ولا يعدو ما نجتهد له وفيه سوى ترف فكري وسفسطة أثبتت الوقائع أنها شد في الاتجاه المعاكس.
إن الاستحمار حالة ابتلاء ونار في هشيم لا تبقي ولا تذر، حتى الهواء الذي نتنفس وخيوط الشمس التي تتسلل كل صباح إلى كوكبنا تتواطأ مع المستحمرين والمستحمرين بفتح الميم وكسرها. ولعل مفهوم الاستحمار شمولي أيضا يبسط هيوله على امتداد الأفق فأذكر في حكمة متأخرة عبثية ما تعلمنا في المدرسة والجامعة، ركام هائل من المعلومات والمعارف وحالة موسوعية اقتضتها رغبة المطالعة، ولكن كل ذلك كان مُقنَّعا بالاستحمار الذي يقمع النقد والنقاش والتفكير بل والمخالفة، يبدأ ذلك من البيت مرورا بكل المؤسسات ولا ينتهي عند حد أو نسق!
ويمارس الاستحمار علينا في دوائر محكمة بدءا من ولادتنا ذكورا أو إناثا، وبين أن نبشر فنستبشر، وبين أن تسود وجوهنا وهي كظيمة، ويمارس في الاستقواء العددي المناطقي والقبلي والإقليمي والحزبي حتى صار الفرد فينا هملا مستحمرا مهمشا، ويمارس الاستحمار في الجامعات التي تعلم المعارف ولا تلتفت إلى النباهة والفكر، سواء في فلسفة التعلم والتعليم أو في مسألة الترقيات وأسسها، أو في اللهاث وراء المناصب الأدارية هروبا من مأزق العجز الفكري، والأمر هنا لا يعدو الاستحمار غباءً واستغباءً، والكارثة أن التشريعات من قوانين وأنظمة وتعليمات تمثل الرسن الممسوك من طرفيه فكل يمارس فيه لعبة الإنهاك والمؤامرة والاستحمار على الطرف الآخر إلا من رحم ربي!
أما الاستحمار السياسي عندنا فمصحوب بالبلادة والعنت ويا لها من ثلاثية إن اجتمعت مع المراهقة السياسية! إن الربيع العربي بألوانه فضح المستور وكشف العورات وصار شاهدا على سيادة الاستحمار في كل منحى ومنتدى ونسق… فهل ثمة انبثاق جديد للعقل والنباهة تنجينا من آفات الاستحمار.. وتكون لنا طوق نجاة يأخذنا وطنا وقيادة وشعبا إلى بر الأمان وإلى الغد المأمول الذي حلمنا به؟ لم يفت الأوان، ولم تضع البوصلة، وللهيبة بقاياها التي نأمل.. إنه وقت استحقاقات الوطن، والوطن عزيز.. وعزته تقتضي عدم التفريط فيه وبمنجزاته.. الأردن لا يستحق منا اللعب بالنار فيه، ولا أن ننتظر استحمارا أن يحل فيه لا قدر الله- ما يسؤه ويسؤنا!
وأعطف عودا على بدء إن الاستحمار الأكثر استشراء ذاك الذي بين ظهرانينا في الروابط والمؤسسات الثقافية وشبه الثقافية، إنها يا سادة النباهة والفكر وليست التزنر بالشهادات والمناصب والمؤلفات والمنابر والارتباطات الحزبية والعقائدية التي لا يهمها من أمر الأردن شيئا سوى أن يكون جزءا من مرويات التاريخ.. فإلى كل المستحمرين على الأردن وأهله إنكم تذهبون بنا إلى المجهول الذي لم نعتد ولا نرغب… غيّروا ونادوا بالتغيير.. بلى! .. ولكن بالتي هي أحسن! إننا لسنا في نزهة لنقول كما قال الإمام الشافعي: “إن الوقار في النزهة سخف” وليس من المروءة الوقار في البستان، إنه وقت الجِدّ ومواجهة الصعوبات والتحديات، وقت القبض على الجمر وقت ننشد فيه التغيير وتصويب الاختلالات ولكن في وطن عهدناه كبيرا بكل مكوناته ومنجزاته والتي لن نفرط فيها لا لهوى شخصي ولا استحمارا لمستحمر ولن نترك لمحبط مأجور أن يغضب عروس مدائن الدنيا وزينتها .. فعمان عصية على كل المستحمرين!

منقول عن صفحة الكاتب على الفيس بوك

Advertisements

فكرة واحدة على ”“الاستحمار السياسي” ا.د سلطان المعاني

  1. بالمقابل يالروعة ديننا ..وقرأننا ….وهو ينبه الانسان ويكرمه …بالخطاب الازلي ( افلا ينظرون …او يتدبرون …او يعقلون …ام على قلوب اقفالها …)…اما بقية …الاكله والمتأسدين المتوحشين والمتحكمين لمنجز غيرهم …فهم كالانعام بل هم اضل

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s