أ. د. انيس الخصاونه:الشعب الأردني أكثر جاهزية واستعدادا للديمقراطية من نظامه السياسي

 

خلال مقابلة الملك قبل أيام قليلة مع البرنامج الأمريكي الساخر “ذا ديلي شو” قال الملك ” نحن لسنا مثل الولايات المتحدة، وليس لدينا مؤسسات مثلكم تتوزع يميناً ويساراً ووسطاً، وخصوصاً هذا العام، حيث يعرف كل منكم موقفه حول الصحة والضرائب خصوصاً، ولكن معظم الأردنيين ليس لديهم مفهوم حول ماذا يعني اليمين واليسار والوسط (في السياسة)، وهكذا إذا كنت تفهمني، نحن بعيدون جداً في بداية هذه المسألة عن كيفية تمييز الأردنيين بين يسار الوسط ويمين الوسط”. هذا الجزء من حديث الملك لم تتناقله الصحف ولم تتوقف عنده وسائل الإعلام والكتاب السياسيين تلميحا أو تصريحا رغم خطورة مضمون الكلام وربما عدم دقته في وصف الأردنيين بأنهم لا يميزون بين اليمين واليسار ولا تعرف مواقفهم من قضايا حيوية مهمة متعلقة بالسياسة والاقتصاد والضرائب. لا أعلم كيف ولماذا اختار الملك أن يوصف الوضع في الأردن بهذا الشكل المغاير للواقع .الأردنيون مسيسون كثيرا ويعرف كثير منهم ما يريدون وربيعهم الخاص ذا النكهة السلمية الواعية المثقفة هو في حقيقة الأمر انعكاس لثقافتهم السياسية الواعية . صحيح أن شرائح اجتماعية وسكانية معينة في البادية والأرياف غمرتها الحياة الاقتصادية بصعابها وتحدياتها وفرضت عليها الانشغال في تصريف شؤون معيشتها يوما بيوم والابتعاد عن هموم السياسة وأنفاقها وفذلكاتها لكن هنالك قطاعات كثيرة ونخب سياسية واقتصادية وثقافية وقادة رأي عام وأحزاب يسارية ويمينية ووسطية مهتمة بالشأن العام وتتعامل معه وتشارك في الحراكات وتكاد تكون مزعجة للحكومة ومخيفة للنظام السياسي الذي أصبح الذعر والتخبط واضحا وباديا على تصرفاته وسلوكياته.ما أراد الملك ربما أن يقوله أو يعبر عنه لمقدم البرنامج الأمريكي هو أن الأردنيين ليسوا جاهزين للديمقراطية وممارساتها مثل المواطنين الأمريكيين أو غيرهم في مناطق أخرى من العالم وأنهم مازالوا في مراحل مبتدئة يصعب فيها إرساء قواعد الديمقراطية العريقة المعمول فيها في الغرب. طبعا لا عجب في هذا القول لأن الملك يريد تبرير الأوضاع السابقة التي كان الأردنيون لا يمتلكون أمرهم وكانوا مجرد أدوات يديرهم النظام والحكومة وبرلمان نصفه معين من القصر على ضوء الولاءات السياسية في حين أن هناك مجالس نواب مزورة تقوم الدوائر الأمنية باختيار معظم أعضائها وتأمرهم بتمرير ما تريد الحكومة من قوانين لا تنسجم مع رؤى وتطلعات الناس . نعم لا عجب أن يقلل الملك من حجم الوعي السياسي والحس الديمقراطي لدى مواطنيه خصوصا وأنه يتحدث من معقل الديمقراطية في الولايات المتحدة وذلك لتبرير ارتداد النظام السياسي الأردني وانقلابه على الإصلاح ووعوده للحراك السياسي في الأردن.لم يكن الملك موفقا في وصف الأردنيين في برنامج سياسي ساخر بأنهم لا يميزون بين اليمين واليسار والوسط السياسي وأنه ليس لهذه الاتجاهات والأحزاب السياسية مواقف سياسية محددة من الفقر والبطالة والصحة والتعليم وغيرها. الأخوان المسلمين والبعثيين والقوميين والشيوعيين والوسط الإسلامي وغيرهم من الأحزاب والنخب السياسية لهم مواقف محددة وربما متباينة من قضايا الأردنيين وحتى لو أن بعضهم ليس بمستوى النضج والوضوح المطلوب فإن هذه الأطراف تعرف ما يحتاجه الوطن ولديها طروحات محدده للتعامل معها.نعتقد بأن الأردنيين لديهم جاهزية أعلى لممارسة الديمقراطية من نظامهم السياسي ودليل ذلك أن ما يطالب به الحراك وكثير من الأردنيون من تعديلات دستورية حقيقية تتيح تقليص صلاحيات الملك لصالح الحكومة والشعب ، وجعل مجلس الأعيان منتخبا وليس معينا ، ومحاكمة الفاسدين ، وتعيين رؤساء الحكومات من قبل البرلمان وتقلص دور الديوان الملكي في الحياة السياسية الأردنية ، وإعادة إدارة وزارة الخارجية لرئيس الحكومة تجسيدا لمبدأ الولاية العامة وغير ذلك من أمور تثبت الوعي والأهلية السياسية لممارسات ديمقراطية كاملة وليس على طريقة الجرعات”نقط في الحلق”. كيف يقتنع الأردنيون بأنهم غير جاهزين للديمقراطية وهم يرون بأم أعينهم الإصلاحات الديمقراطية الحقيقية التي تمت في المملكة المغربية والتي استطاعت إغلاق فصل الربيع المغربي بسلام وهدوء وحققت للشعب المغربي ما يصبوا إليه؟ الأردنيون تواقون للديمقراطية وهم عطشى إليها ومنذ زمن بعيد وقد مارسوا الحياة السياسية وانتموا لأحزاب وقوالب سياسية وفكرية تمكنهم من استيعاب وممارسة الوسائل السياسية القائمة على المشاركة والمسائلة والحوار السلمي وتداول السلطة. النظام السياسي الأردني أقل جاهزية للديمقراطية من الشعب الأردني والأدلة على ذلك كثيرة وفي مقدمتها تراجع النظام عن الإصلاح ، وتمسكه بقانون الصوت الواحد ، وتغيير حكومة إصلاحية بامتياز بحكومة تقليدية لا تؤمن بالإصلاح لا بل انقلبت عليه،وتعديلات دستورية شكلية اقتصرت في كثير منها على تعديل الجوانب اللغوية والنحوية وإضافة” أل” التعريف و “واو” العطف وغيرها مما لم يدخل أي جديد ذا قيمة للحياة السياسية في حين رفض النظام بشدة الاقتراب من المواد المتعلقة بصلاحيات الملك التي تجعل منه حاكما مطلقا للبلاد. التجييش الذي تشهده البلاد ببرمجة وتشجيع وربما تحريض من النظام وقواه الأمنية ضد المعارضة ومسيرتها المزمعة يوم الجمعة ودفعها لمسيرة ولاء مبرمجة ونيتها سحب القوى الأمنية من المشهد كل ذلك يضع تساؤلات عديدة على مدى جاهزية النظام للديمقراطية. النظام ليس جاهزا للديمقراطية ويود لو ينتهي الربيع الأردني وتعود أمور الهيمنة وحرية التصرف والتحكم للقوى الأمنية.الشعب أكثر جاهزية لممارسة الديمقراطية من النظام السياسي ومقولة أن الأردنيين لا يميزون بين اليمين والوسط واليسار السياسي وأنهم غير جاهزين لممارسات ديمقراطية مماثلة لتلك الموجودة في الغرب هي مقولة غير دقيقة ولا تعكس الوقائع على الأرض وأريد بها التبرير للمشاهد الأمريكي والتغطية على تراجع النوايا الإصلاحية في الأردن وانقلاب النظام على وعوده الإصلاحية التي قطعها للأمريكان أنفسهم .الأردنيون لن يقبلوا إلا ما يستحقون من ممارسات ديمقراطية رفيعة وإصلاح سياسي جوهري ومشاركة الناس في حكم أنفسهم وتوزيع موازنتهم المالية التي تجمع من الضرائب التي يدفعونها .الأردنيون عقب الاستقلال في الخمسينات والستينات من القرن المنصرم كانوا يمارسون تقاليد سياسية متقدمة ولديهم ديمقراطية محترمة التي ما لبثت أن خبت وقمعت عن طريق حظر الأحزاب وقمع المعارضة مما حرم المواطنون من تنمية وتعميق تجربتهم الديمقراطية وهذا شأن يلام فيه النظام السياسي نفسه الذي يعود الآن ليقول مرة أخرى الأردنيون ليسوا جاهزون للديمقراطية ولا يميزون بين اليمين واليسار السياسي! الأردنيون مثقفون سياسيا واستفادوا من تجاربهم وخبراتهم وخبرات غيرهم من الشعوب ولا يحتاجوا للمرور في شتى المراحل والحلقات التي مرت فيه شعوب أخرى في تطورها السياسي ولنا في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافوره وكثير من دول أوروبا الشرقية التي استقلت حديثا وتبنت أنظمة سياسية ديمقراطية دفعة واحدة أمثلة ونماذج تحتذى وينبغي أن نكف عن استخدام حج”الخصوصية الأردنية” و”ظروف البلد الخاصة” و”تركيبة الشعب الأردني ” كذرائع لبطء الإصلاح وربما التلكؤ فيه ولتبرير عدم جاهزية النظام لتبني المطالب الإصلاحية وتحقيق الديمقراطية الحقيقية التي يستأهلها هذا الشعب الطيب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s