“لَيسَت حَربُنا” استحضار تاريخي/ د.عبدالله العسّاف

عبدالله العساف

((مقالات مختارة))

“إنها ليست حربنا” استحضار للتاريخ الأردني.

قديماً قالت العرب “الشيء بالشيء يُذكر”، وهذه المقالة تحاول أن تتمثل هذا القول في مناسبتين أو موقفين. عاشتهما الدولة الأردنية، الأولى في الزمن المبكر لولادتها ونشأتها، وما رافق هذه الولادة من مصاعب وأزمات، والثانية قد تكون في الراهن من زمن الدولة الأردنية، وما بين الزمانين من أحداث حصلت وتحصل، رغم ما يعتري هاتين المناسبتين من تشابهٍ في الظروف الموضوعية نوعاً ما، حتى إن كانت الظروف السياسية والاجتماعية مختلفة.
أما المناسبة الأولى فقد تمثلت بغزوات الوهابيين (الإخوين) بُعيد تأسيس إمارة شرقي الأردن بزمن قصير، وخوض العشائر الأردنية معارك دامية مع هؤلاء الوهابيين.
وبعيداً عن الخوض في مجريات القتال الدامي الذي وقع بين الطرفين المتحاربين، فإن السؤال الذي كان يدور في الأذهان آنذاك يتعلق بسبب هجوم الوهابيين، ويبدو أن هناك عدة إجابات تلتقي كلها في إجابة واحدة وهي مواصلة جيوش ابن سعود الوهابية فتوحاتها، وهناك من رأى أن هذه الحملات كانت موجهة ضد الأمير عبدالله وليست لأبناء شرقي الأردن. بينما يرى آخرون أن هناك أيادٍ خفية وراءها وأن البريطانيين هم المتسببون لهذه الحرب، وكان الذي حملهم على هذا الظن حقيقة تقاعس البريطانيين عن النجدة في التصدي للغزوة الوهابية الأولى التي حصلت في 8/ 5/ 1922، وهم يملكون ما يملكون من الأسلحة والعتاد.
ومهما يكن من الأمر فالمؤكد من ذلك أن ثمة اجتماعاً في 7 أيلول 1922 عقده مشايخ البلاد في منطقة أم العمد، وحضره الأمير عبدالله والأمير شاكر، تداولوا فيه أمورهم، والغزو الوهابي، والأسباب التي حدت بهؤلاء القيام بهجوم على عشائر شرقي الأردن، واستقر الرأي على ضرورة توحيد الكلمة والجهود تجاه الحركة الوهابية خشية امتدادها. وأبدى بعض المشايخ المجتمعين، لا سيما الشيخ مثقال الفايز، والشيخ منصور القاضي، والشيخ سليمان بن طريف، وزعماء الكرك والحويطات، مساندة الأمير عبدالله على تسيير حملة ضد الوهابيين المقيمين بالجوف وانتزاعها منهم.
إلّا أن الشيخ سلطان العدوان زعيم عشائر البلقاء عارض القيام بتلك الحملة، بداعي أن الوضع غير مناسب لتوجيه مثل هذه الحملة، فالقبائل لم تتعاف بعد من الهزيمة التي لحقت بها والخسائر التي تكبدتها في الغزوة الأولى. ولذا فهي بحاجة إلى مزيد من الوقت لتجهيز نفسها، لا سيما قبيلة بني صخر التي قتل من رجالها الكثير، هذا إضافة إلى الموقف البريطاني الذي بدا متخاذلاً بعد رفض المعتمد البريطاني السماح للطائرات والدبابات مقاومة الغزو الوهابي. ويبدو أن معارضة ابن عدوان لحملة الجوف التي كان يرغب الأمير عبدالله في تسييرها، كانت بسبب أن رغبة الأمير تتعدى مسألة رد غزو الوهابيين، إلى انتزاع الجوف منهم وضمها لشرقي الأردن.
وقد تميزت غزوة الوهابيين التي وقعت في 14 آب 1924 بأنها تجاوزت حدود المنطقة من الجهة الشرقية ونزولهم في منطقة أم العمد والطنيب والقسطل، وتوجههم نحو اليادودة وعمان، وقُدّر عدد المهاجمين بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف مقاتل. وكان الهجوم مباغتاً لبني صخر، فقد قتل الكثيرون من فرسانها ونهبت ممتلكاتهم.
وإثراً لذلك هب أهالي شرقي الأردن من كل حدب وصوب لصد الغزو، فاجتمعت عشائر بني صخر وعشائر البلقاء والعدوان والعجارمة وبني حميدة، ووصلت النخوات من جميع المناطق، واشتركت القوات العسكرية البريطانية في صد الغزاة وردهم على أعقابهم.
ما يثير الدهشة في هذه الغزوات هو طبيعة العقيدة القتالية التي كانت تحرّك الوهابيين عند غزواتهم لشرقي الأردن، فقد كان هؤلاء قد أُشربوا عقيدة تكفير أبناء شرقي الأردن، وأنهم جاءوا لمقاتلة الكفار، على أساس أنهم ليسوا مسلمين، وكان من نشيدهم في الحرب:
يا حلو ذبحة عدوّ الله ….. خمس الفرايض مرجيّها
ثم اجتمع الأمير عبدالله مجدداً إثر هذه الغزوة بشيوخ العشائر، مبدياً رغبته في الرد على غزوة هؤلاء، وقد مال الكثير من هؤلاء الشيوخ إلى تأييد الأمير في مسعاه، وأخذوا يشجعون بعضهم البعض.
وذُكر أن الأمير عبدالله، خاطب الشيخ ماجد العدوان بعزمه غزو ابن سعود، فكان جواب الشيخ ماجد له: “يا عبدالله نحن ليس لنا شأن بابن سعود، فليس لنا عنده أرض ولا عرض، وحينما يأتي إلينا سنرده ومن معه، سوف نقاتلهم ونردهم على أعقابهم”. وكأنه يقول له بصريح العبارة إن هذه الحرب ليست حربنا. ولكن ما بدا واضحاً أن موقف باقي شيوخ العشائر كان مؤيداً لتوجهات الأمير عبدالله.
مثل هذا السياق للأحداث التي شهدها الأردن في مطلع قيام شرقي الأردن كدولة وطنية مستقلة يعكس في الواقع ثلاثة أمور:
أولاً: كان الغزو الوهابي للأردن يحمل جانباً عقدياً دينياً بالنسبة لمقاتلي الإخوان من الوهابيين، أما ما يخص للأميرين عبدالله وعبدالعزيز فقد كان يعكس واقع الخلاف السياسي، بل وحتى الخصومة الشخصية والتنازع على مناطق النفوذ.
ثانياً: لقد برز على الأقل اتجاهان بين أبناء عشائر شرقي الأردن، أحداهما يرفض الانجرار وراء حرب الوهابيين في أراضي ابن سعود (الجوف) مثلاً، والاكتفاء بصد عدوان هؤلاء في حالة غزوهم لشرقي الأردن فقط، أي موقف الدفاع عن البلاد عندما يتطلب الأمر ذلك. وثانيهما يضم شيوخ عشائر، كان مُسايراً للأمير عبدالله، ويرى أبعد من رد الغزو الوهابي إلى حدّ الدخول في نزاع معهم داخل أراضي إمارة إبن سعود. تأكيداً لرغبة الأمير في انتزاع الجوف من الوهابيين.
ثالثاً: أن الإمارة الضعيفة الناشئة للتو لم تكن تملك القوة الكافية للدفاع عن أراضيها وحدودها، ولذا فإن الأمير اضطر للاستنجاد بالعشائر لصد غزوات الوهابيين، والواقع أن هذه العشائر كانت تدافع عن أراضيها وأملاكها ومناطق سكناها ومعيشتها، كما أنها بالفعل هي التي تكبدت الخسائر الكبيرة نيابة عن الدولة والحكومة والأمير آنذاك.
وعطفاً على مبتدأ الحديث، في مقولة الشيء بالشيء يُذكر، فما أشبه اليوم بالبارحة، فإن ما نعيشه راهناً من أحوال عاصفة في الإقليم القريب والبعيد من الأردن، وما تنذره الأحداث من عواقب ونتائج قد تبدو قاسية، بل وحتى كارثية علينا، سواء اضطررنا أن نكون في قلب هذه الأحداث أو دُفعنا إليها دفعاً. فإن المقولة الأثيرة هي التعقل ثم التعقل ثم الحكمة. فنحن شعب لا نريد أن نشتري الحرب أو نبيعها؛ لأن الحقيقة تقول: إن المسألة تبدو “بيعاً وشراءً” صريحين، فهناك من يحرّك ويذكي وينافق ويزايد، وهناك من يُموّل وهو جالس مطمئن في بلاده، وهو يحدَّث نفسه سراً. لا بأس، إذا وُجد من يتطوّع ويَكون في عين العاصفة، بينما هو ينظر إلى أوطانه تدافع عنها أمواله، لا رجاله وقواته.
وهناك من ينفخ في “المبادئ الدولية”، و “المصلحة الإنسانية”، و “العدو الوحشي المشترك”، ولكنه غير مستعد للتضحية من أجلها، فيسوّل بشيطنة غريبة للآخرين أن يكونوا حُماة هذه المبادئ، وهو عبدٌّ لمصالحه الخاصة وأنانيته، التي تبرر له تخريب المنطقة بأكملها حماية لمصالحه، ولأمن الربيبة العظمى إسرائيل.
“إنها ليست حربنا”، هو ذا شعار التعقل والحكمة والرشادة والتبصر، وليس شعار الانفعالات السلبية، والعواطف المدمرة، وذهنية الهبات والفزعات.
إنها ليست حربنا، ولكنها حرب الآخرين، الذين يبحثون عن “وكلاء حرب”، يدفعون بهم إلى أتونها، ثم يقولون لهم تدبروا أموركم لوحدكم.
يجب أن لا يشك أحد في هذا الوطن أن هناك دوائر وبشراكة عربية أصبحت معروفة مهمتها “صناعة الحروب” في المنطقة، اعتقاداً منها أنها تبعد الحرب عن عرينها المستكين المطمئن، وتوظف الأموال الآثمة لإجهاض الربيع العربي، وفرض استنامة مديدة على الأمة، والحيلولة دون استنارتها في هذا العالم.

د. عبدالله مطلق العساف

دكتوراة في التاريخ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s