اصلاح الحِراك الشَعبي .. رسالة للدّاخل

محمد 000

المحامي محمد المجالي

        أذكر قبل عامين تقريباً طرحنا فكرة انشاء ذراع سياسي للحراك الشعبي الأردني وحينها كان نشاط الحراك في بدايات التراجع والتقهقر بفعل داخلي يتمثّل في تعدد الحراكات التي كانت وقتها بالعشرات بتنافسها السلبي ما بين استقطاب الشارع وكسب التعاطف لمنطلقاتها الوطنية وتنافسها في الظهور الإعلامي كمجموعات وأشخاص متطلّعين لدور ريادي أو قيادي في الإصلاح والتغيير، اما الفعل الخارجي فتمثّل بسياسة الاجهزة الرسمية في استيعاب غضب الشارع والحراك الناشئ عن انفضاح سَوأة المؤسسة الرسمية الحاكمة المتورطة في ملفات فساد كبيرة تمثّلت في بيع مؤسسات وطنية استراتيجية بأثمانٍ بخسةٍ وتبديد ثروات وطنية في شراكات استثمارية فاشلة كانت غايتها نهب المال العام وكذلك المديونية الهائلة للدولة التي تضاعفت خمسة اضعاف تقريباً من عام 2000 الى عام 2011.

      ان سياسة الاجهزة الرسمية في استيعاب الحراك والشارع اخذت صوراً متعددة ما بين السماح بالاحتجاج والتظاهر في كل مدن المملكة تحت حماية رجال الامن وما بين التجييش المقابل والموازي وإخافة المواطن من فقدان الامن والاستقرار كدول عربية انزلقت فيها الأوضاع للفوضى والاحتراب وكذلك استخدام القبضة الامنية في فض بعض المسيرات الاحتجاجية والاعتصامات واعتقال بعض النشطاء ومحاكمتهم أمام محكمة أمن الدولة كما حدث مؤخّراً وما زال يحدث. إن هذه السياسة المنهجية ساهمت بلا شكّ في إضعاف الحراك وخنق التعاطف المجتمعي والتفاعل معه مما أدى الى تشظّي وتفكيك كثير من الحراكات الشعبية  واضعاف بعضها واختفاء كثير منها.

     ومما لا شكّ فيه ان موقف الاحزاب والتنظيمات السياسية من الحراك الشعبي كان له دور مؤثر وسلبي على تماسك الحراك واستمرار فاعليته فمعظم الاحزاب والتيارات السياسية تراجعت عن التواجد والمشاركة في الحالة الاحتجاجية على الفساد وبعضها حاول تطويع الحالة الحراكية واستثمارها في سياق مساوماتها السياسية وفق ما يخدم برامجها وتطلعاتها الذاتية الضيقة وربما خوفاً من ظهور أو تطوّر قوة سياسية شعبية تكون منافسةً لها شعبياً أوندّاً لها سياسياً.

      هذا كله أدى في الوقت الحاضر الى تراجع الحالة الحراكية الشعبية الى أدنى مستوى ومنذراً باندثار الحراك الشعبي نهائياً الى زمن مستقبلي مجهول أو الى غير رجعة، وليس أدلّ على هذا الضعف والتلاشي عدم قدرة الحراك على حشد أكثر من عشرات الأشخاص في أيٍ من فعالياته خلال العام الفائت.

       وفي قناعتي وقناعة البعض من نشطاء الحراك وكثير من المتعاطفين والمراقبين أن السبب الرئيس في تراجع الحالة الحراكية الاحتجاجية وتراجع التعاطف الشعبي معها ليس في السياسة الممنهجة للاجهزة الرسمية لاحتواء الحالة الحراكية وليس في نفور بعض الاحزاب السياسية ومحاولة بعضها تطويعها وتدجينها واستثمارها بل ان السبب الأهم والأعظم هو عدم تمكّن الحراكات والحراكيين من تطوير وبلورة رؤية سياسية وطنية موحدة اتجاه القضايا المهمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقضية فساد المؤسسة الرسمية وهذا ادى الى عشوائية وتخبّط في الخطابات الحراكية وشعاراتها فتلاطمت شعارات الإصلاح السياسي مع الشعارات الثورية واسقاط النظام مع تغيير النهج السياسي مع التغيير الشامل للمنظومة السياسية، أضف الى ذلك ظهور تباين واضح في المرجعيات الفكرية لدى الحركات والحراكيين حول قضايا الهوية الوطنية والمواطنة والعلمانية والمرجعية الاسلامية وهذا كله ادى الى فقدان التوازن الفكري الداخلي للحالة الحركية وبدوره أدى الى تفكك ونفور وخصومات على مستوى التجمعات والاشخاص مع الاسف.

       إن المسألة الأهم والأخطر التي لم يُدركها نشطاء الحراك الشعبي ولم يسعوا بجدٍ الى اداراكها أن الشرط الأساس لنجاح أي جهد جماعي هو قبول الآخر إبتداً واستيعاب أن التنوّع السياسي والفكري والأيدلوجي ظاهرة طبيعية يجب القبول بها والتعامل معها بعقول متفتّحة وبقلوب دافئة للوصول الى رؤية سياسية وطنية توافقية تستوعبنا جميعاً في سعينا الى تحقيق الدولة الوطنية التي نريد والقضاء على الفساد والاستبداد والتبعية، وبنفس الوقت فإن بعض محاولات الالتقاء والتجمّع والتوحيد على قاعدة قبول الاختلاف والتنوع الثقافي والاجتماعي والفكري لم تكن كافية للنجاح والتقدّم والتطوّر لاننا لم نُحسن الحدّ الأدنى من فن إدارة الإختلاف.

      قد يكون لمعظمنا بعض العُذر لعدم نجاحنا في تطوير الحالة الحراكية الاحتجاجية الى حالة مؤسسية ومنظمة تستند الى رؤية سياسية وطنية توافقية بسبب أننا كبقية الاردنيين حُرمنا على مدى عشرات السنين من حقنا في العمل الوطني والتنظيم السياسي والمشاركة الحقيقية في صناعة القرار عبر مؤسسات شعبية منظمة بل مورست علينا كافة أشكال التنفير والعداء لأي شكل من أشكال العمل الحزبي المنظّم، ومع ذلك وبعد انقضاء أربعة سنوات وزيادة على انطلاق الحراك الشعبي ولقاءات واجتماعات عديدة وفعاليات ومسيرات بالمئات وبعد إدراك الجميع لخطورة الحالة الحراكية واضمحلالها لم يَعُد مقبولاً التذرّع بهذه الأعذار. لقد بات لزاماً على جميع الحراكيين أن يتنكّروا للأنا الشخصية والفكرية ويتحرّروا من قيود الكنتونات الحراكية إلى تشكيل تجمّع سياسي مؤسسي منظّم يستند الى رؤية سياسية وطنية توافقية دون مُغالاة أو تفريط في ثوابت الحراك الوطني ومنطلقاته وغاياته التي تتمثل في انهاء حالة الفساد والاستبداد السياسي والتبعية واسترداد الموارد والثروات والأموال العامة المنهوبة ومحاسبة الفاسدين والمقصرين وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية الانتاجية.

        لقد بات ضرورياً المبادرة الى تشكيل هذا التنظيم السياسي للمحافظة على البقية المتبقية من النشطاء الفاعلين ولاستعادة الكثيرين ممن أصابهم الاحباط او التشتت ولاسترجاع تعاطف الاردنيين ودعمهم لأهداف الحراك، لقد بات من المُلح الانفتاح على شعبنا التوّاق للحرية والعدالة والتنمية والقبول بمشاركة أي أردني في هذا الجهد بل العمل على استقطاب شباب هذا الوطن في بناء تنظيم شعبي ممتدّ وفق مؤسسية ديمقراطية شفافة. ان على الحراك والحراكيين أن يكونوا رافعة لبناء هذه المؤسسة السياسية الوطنية وليسوا قادة متسلطين على أي جهدٍ في هذا الاتجاه فالوطن بحاجة الى جميع أبنائه الغيورين على كرامته.

فلنُصلح أنفسَنا ومسيرتنا وللحديث بقيّة …

المحامي محمد أحمد المجالي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s